السيد محمد الصدر
519
تاريخ الغيبة الصغرى
ونحوها ، بما بلغته من عمق خلال عصر التخطيط الثالث . وقد عاصر أول هذا العصر مع الفلسفة الوسيطة ، كالأفلوطينية الحديثة والرواقية والفلسفة المسيحية - لو صح هذا التعبير - المتمثلة بأوغسطين وتوما الأكويني واضرابهما . كما جاء القرآن الكريم بفهم معين للكون والحياة . وأعقب ذلك وجود الفلاسفة المسلمين ، كابن رشد والغزالي وابن سينا والفارابي . وكان هؤلاء - عادة - مستوعبين لعدد من العلوم الانسانية التي كانت تعتبر متشابهة أو متجاورة بشكل وآخر . وهي الفلسفة والمنطق والرياضيات والطب والفلك . وربما قرنوا ذلك باتجاه كيميائي وفيزيائي ضيق ، أو بفهم اجتماعي قليل . وقد ورثت أوروبا في نهضتها كل ذلك ، وحددت أساليبه ، وأخذت بتعميقه وتوسيعه إلى أكبر حد ممكن . فلم ينفصل علم عن علم فقط ، بل أصبح لكل علم فروعه المختلفة ، وأصبح للعلوم نقاط التقاء ونقاط اختلاف كالمنطق الرياضي ، وعلم النفس الاجتماعي . مثلا . . . ولا زالت أوروبا سائرة في هذا الطريق . ولا نعلم ما ذا يأتي به المستقبل في هذا السبيل . وهذا العمق ، يساعد - بطبيعة الحال - على عمق المستوى الفكري للبشرية عموما ، ويجعلها قابلة لفهم العميق من الأفكار أكثر فأكثر . ويكون لهذا العمق أثره في عدة حقول من التخطيطين الثالث والرابع . نستطيع ان نفهم منها ما يلي : الحقل الأول : تعميق الفكرة إلى أبعد حد ممكن عن تفاصيل وبراهين الأطروحة العادلة الكاملة ، سواء من الناحية العقائدية أو التشريعية . الحقل الثاني : جعل البشرية بالمستوى الفكري اللائق لفهم المستوى العقائدي والتشريعي الذي يعلن في الدولة العالمية خلال التخطيط الرابع . الحقل الثالث : جعل نتائج هذه الأفكار المعمقة للمنطق والرياضيات وغيرها ، منطلقا - في الدولة الموعودة - لانتاج أو انجاز حقول مهمة في خدمة البشرية اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا يومئذ . - 5 - الجانب الرابع : الجانب ( المدني ) المتمثل بالتطور التكنيكي الصناعي الهائل الذي وصلت إليه أوروبا وغيرها منذ عصر النهضة إلى العصر